ابن عجيبة
499
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي : ثبتت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بأنهم لا يؤمنون ، أو بأنهم مخلدون في العذاب لا يُؤْمِنُونَ أبدا ؛ إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ وعاينوها فإن السبب الأصلي لإيمانهم هو تعلق إرادته تعالى ، وقد أراد خلافه ، فلا يؤمنوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وحينئذ لا ينفعهم ، كما لم ينفع فرعون ، وبالله التوفيق . الإشارة : من انتكبه التوفيق لا يصدق بأهل التحقيق ، ولو رأى منهم ألف كرامة ، فلا تنفك عنه الشكوك والأوهام ؛ حتى يفضى إلى شرب كأس الحمام ، فيلقى اللّه بقلب سقيم ، وربما مات على الشك ، فيلحقه العذاب الأليم ، عائذا بالله من ذلك . ثم وبخ من فوت إيمانه عن وقته ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 98 ] فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 98 ) قلت : ( فلو لا ) تحضيضية ، و ( إلا قوم يونس ) : استثناء منقطع ، ويجوز الاتصال ؛ فيكون الاستثناء من معنى النفي الذي تضمنه حرف التحضيض ؛ لأن المراد بالقرى : أهلها ، كأنه قال : ما آمن أهل قرية من القرى الماضية فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ، ويؤيده قراءة الرفع . و « يونس » : عجمي مثلث النون . يقول الحق جل جلاله : فَلَوْ لا كانَتْ هلا وجدت قَرْيَةٌ من القرى التي أهلكناها آمَنَتْ قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخر الإيمان إلى نزوله كما فعل فرعون ، فَنَفَعَها حينئذ إِيمانُها بأن يقبله اللّه منها ؛ فيكشف عنها العذاب ، إِلَّا لكن قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، فرفعنا عنهم العذاب حين آمنوا بعد أن ظهرت مخايله ، فنجوا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ : إلى تمام آجالهم . روى أن يونس عليه السّلام بعث إلى أهل نينوى من الموصل ، فكذبوه وأصروا على تكذيبه ، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث ، فلما دنا الموعد وأغامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم ، فهابوا ، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه ، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرقوا بين كل والدة وولدها ، فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والضجيج ، وأخلصوا التوبة والإيمان ، وتضرعوا إلى اللّه تعالى ، فرحمهم وكشف العذاب عنهم ، وكان يوم عاشوراء ويوم الجمعة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد أن يعتنى بتربية إيمانه وتقوية إيقانه قبل فوات إبّانه ، وهو انصرام أجله . وتربيته تكون بصحبة أهل اليقين ، فإن لم يعثر بهم فبمطالعة كتبهم ، والوقوف على أخبارهم ومناقبهم ، مع دوام التفكر والاعتبار ،